السيد عباس علي الموسوي
260
شرح نهج البلاغة
( وقلوبهم قرحة ) قلوبهم مجروحة بما يجري أمامهم من المنكرات فلا يستطيعون تغييرها كناية عن أساهم ولوعتهم وأسفهم . . ( قد وعظوا حتى ملوا ) قاموا قدر استطاعتهم في إرشاد الناس وبيان الأحكام حتى سئمت نفوسهم لعدم الاستجابة لهم . . ( وقهروا حتى ذلوا ) جرت عليهم عملية القهر والضغط حتى أذلهم الطغاة فلذا نجد من شدة سوط السلطان وسيفه لا يظهر الإنسان علنا ولا يمارس عبادته بحرية كاملة . . ( وقتلوا حتى قلوا ) فلذا نرى رجال اللّه قلة بل نوادر لأن الداعية للهّ سيواجه العالم بلسانه وموقفه وقلمه ويده وهذا يعرضّه للهلاك والقتل ولكثرة الظالمين وممارساتهم وما يلاحقون به هؤلاء الرجال قلوا وأصبحوا أقل من القليل . . ( فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ وقراضة الجلم ) توجه الإمام في نهاية هذه الخطبة إلى موعظة الناس وردهم إلى اللّه وذلك باستصغار الدنيا ونبذها وتركها والتخلي عنها لأنها السبب في بعد الإنسان عن اللّه . وعلى الإنسان أن يجعلها في عينه أصغر وأحقر من بقايا النبات الذي يدبغ به أو ما يتساقط عندما يجز الغنم فإن ذلك شيء تافه حقير لا يسأل عنه أحد ولا يبحث عنه أحد فكذلك أنتم انبذوا الدنيا واحتقروها واحتقروا ما فيها . ( واتعظوا بمن كان قبلكم ) فقد سبقتنا أمم كثيرة لم يبق منها أثر ، ماتوا جميعا وقضوا كلهم ولم يبق إلا ذكرهم نسمع بهم ونعلم أخبارهم قد لقوا وجه ربهم وعنده الحساب ولهم الثواب أو العقاب فهؤلاء يجب أن نأخذهم عبرة لنا وموعظة نأخذ من أعمالهم ما يفيدنا ونجتنب عنها ما يضرنا . . فنعمل بالأولى ونترك الثانية وهكذا تكون طريقة العاقل يرى غيره فيأخذ تجربته ويستفيد منها ولا يرضى أن يكون هو محط التجربة . . ( قبل أن يتعظ بكم من بعدكم ) لا تكونوا أنتم محط التجربة فيستفيد منكم غيركم مما يأتي بعدكم ولا تستفيدون أنتم ممن سبقكم . ( وارفضوها ذميمة فإنها رفضت من كان أشغف بها منكم ) اتركوها قبيحة سيئة فإنها لقبحها وسيئاتها قد تركت من كان أشد حبا لها منكم وأشد رغبة . . . إنها تخلّت عمن كان أشد حبا لها فهي بالأولى أن تترككم ولم تحبوها كحبهم .